( يوم عرفة )
إن الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونستهديه،
ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ
له، ومن يضللْ فلا هاديَ لهُ،
يا ربِّ حمداً ليسَ غَيْرُكَ يُحْمَدُ ** يا من لَهُ كُلُّ الخَلائِقِ تَصْمُدُ
أبوابُ غيرِكَ ربنا قد أوُصدت ** ورأيتُ بابَكَ واسعاً لا يُوصَدُ
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن
محمدًا عبدُه ورسولُ، وصفيه وخليله بلّغ الرسالة , وأدى الأمانة , ونصح الأمة ,
وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ
لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أما بعد فيا عباد الله:
وما زلنا نتفيؤ من أعمارنا فضل الله عز وجل علينا في عشر
هي أبرك أيام السنة، فما أعظمها من أيام، وما أجلها من مواسم.
وقد بقي منها يومان، ويومٌ منها كثير، إذ نستقبل غدًا
يوم عرفة، أعظمُ أيام الدنيا، فلا يوم كهذا اليوم، ولا عشية كعشيته.
إنه يوم عرفة، يوم التجليات والنفحات الإلهية، يوم
المغفرة والعطاء، يوم البذل والسخاء، يوم حوى أرفع المنازل، يوم تُعتق فيه الرقاب،
ويسمع فيه الدعاء ويُجاب.
يوم ما أشرقت الشمس في دهرها على يوم خيرٍ من يوم عرفة.
عرفات...
عرفاتُ قلبـي لجّ بالشكوى دوّى بصـرختِه وكم دوّى
هاجَ الفــؤادُ تملّكتني عبرةٌ لمّـا رأيتُ النّاسَ والنجوى
هذي جموعُ المسلمين توحّدت في بقعة نفسي بها نشوى
وتلجلجَ الدمعُ السخينُ بمهجتي أروي جراحاتي وما أروى
أجل عباد الله:
إنه يوم العتق والمباهاة، اليوم الذي قال فيه نبينا صلى
الله عليه وسلم:
"ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتِقَ اللهُ فيه عبيدًا من
النَّارِ من يومِ عرفةَ"
يعتق الله في يوم عرفة من النار ما لا يعتقه في غيره،
النار التي جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"لو كان في هذا المسجدِ مئةُ ألفٍ أو يزيدون ، وفيهم رجلٌ من أهلِ النَّارِ
فتنفَّسَ ، فأصابهم نفَسُه ؛ لاحترقَ المسجدُ ومَن فيه" .
"ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتِقَ اللهُ فيه عبيدًا من
النَّارِ من يومِ عرفةَ"
يقولُ عِبادِي
قدْ أتونِي مَحَبَّةً وَإنِّي بهمْ بَرٌّ أجُودُ وأرْحَمُ
فأشْهِدُكُمْ أنِّي غَفَرْتُ ذنُوبَهُمْ وأعْطيْتُهُمْ ما أمَّلوهُ وأنْعِمُ
تتجلى رحمة الله على العباد، فيرحم العباد، ويجيب
العُبّاد، ويَجبر الكسير، وييسر العسير، ويدنو الجبار، يدنو مَلِكُ السماوات
والأرض من السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض ملائكةَ السماء، فيقول: "انظروا
إلى عبادي جاءوني شُعثًا غُبرًا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم
يروني، فكيف لو رأوني؟"
يا ربّ نسألك أن نراك في جنتك.
فلا عظيم هناك ولا حقير
ولا مأمور ولا أمير
ولا غني ولا فقير
كلهم قد تساووا في موقف الناسُ فيه سواسية، فالله أكبر
أي موقف هذا؟
وقد شهد عرفات أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دوّى صوته
بين جنباتها، فقال:
"يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ
لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا
لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ"
هذا ومن المنح الربانية في يوم عرفة، أن صيام يوم عرفة
يكفر ذنوب سنتين: سنة مضت وسنة أتت، قال العلماء: لمَ كفر الله في يوم عرفة سنتين
وفي يوم عاشوراء سنة؟
قالوا: لأنّ يوم عرفة يوم محمدي، ويوم عاشوراء يوم
موسوي، ففضل الله عز وجل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن جعل لها ضعف ما جعل
لأمة موسى عليه السلام.
فتفرغوا لهذا اليوم العظيم، ورتبوا أعمالًا صالحة ليس
صومًا فحسب، بل دعاءً وذكرا، تكبيرًا وإحسانا، إخباتًا وتصدقا.
وقد كان الصالحون والسلف يجمعون حوائجهم في يوم عرفة ثمّ
يلحون بالدعاء فلا يلبثون أن يروا فضل الله عليهم.
عليكم بالدعاء في هذا اليوم، فقد أُرهقت الأمة كما لا
يسبق لها أن ترهق، فإنّ ربكم عند ظنكم، وعطاء الله أعظم من أملكم.
أظهروا التوبة والاستغفار، وأظهروا التذلل والانكسار
والندامة والافتقار، والحاجة والاضطرار.
حضروا أدعيتكم، واخلوا بربكم، وادعوه وأنتم موقنون
بالإجابة، فلعلّ هذا الدعاء أن يرفعَ اللهٌ به بلاء نزل، أو ضرًا حصل، وخصصوا
بدعائكم أهل فلسطين عامة، وأهل غزة خاصة، فقد انقطعت بهم السبل من كل ما هو متعلق
بالأرض من حكام ومحكومين، وما أرهقتهم ، فقد انقطعت بهم السبل من كل ما هو متعلق
بالأرض من حكام ومحكومين، وما أرهقتهم الحرب بمقدار ما أرهقهم المتخاذلون
والمتآمرون من أبناء جلدتهم، الذين لم يجرؤ الواحد فيهم أن يقول كفى، أو أوقفوا
عدوانكم عن إخوتنا في غزة.
الناس أرهقت من المتابعة للأحداث فقط، فما بالكم بمن
يعيش هذه الأحداث كل يوم؟ أليس في هذه الأمة رجل رشيد؟
أرض تحرق، وشعب يباد، والقضية تحولت إلى قضية إدخال طعام
وشراب ومساعدات؟
بل لولا الحرج لأعلنوا حملة تبرعات لأكفان الموتى من
شهداء غزة.
فادعوا لهم ولا تركنوا لأي موقف سياسي من قريب أو بعيد،
فكل قطرة دم قُطرت في غزة فهي في أعناق المسلمين على اختلاف درجاتهم ومسؤولياتهم.
وهم ضامنون لكل ما يقع من تهجير وتدمير وإتلاف وتقتيل وإفساد.
فمتى سيظهر الجد في الخطابات الرسمية، كلٌّ مسؤول عما
يحدث، الجيوش والحكام والمحكومين لن يبعثوا تحت قيادة أحد، كل فرد سيأتي وحده
ويحاسب على تقصيره، "وكلهم آتيه يوم القيامة فردا".
ادعوا لهم لعلّ الله أن ينصرهم ببركة دعائكم.
عرفاتُ كم هُنّا على أعدائنا* * * وجراحُنـا عمّت بها
البلوى
عينايَ فاضت واعترتني غصّةٌ* * * كم غرّنا الشيطانُ كم
أغوى
عرفات هذا الكفر قتّل أهلنـا* * * وبيوتنا بالأرض قد سوّى
وادعوا لأهليكم ولوالديكم
وادعوا للمسلمين والمسلمات، وللمؤمنين والمؤمنات،
وللمكروبين والمكروبات، وللمدينين والمرضى، وللأحياء والأموات.
ولا تضعفوا عن الدعاء فإنّ أعجز الناس من عجز عن الدعاء،
فكم من دعوى جلت أحزانًا ورفعت همومًا، وكم من دعوى جلبت خيرًا كثيرا.
سلوا الله كل حوائجكم في يوم عرفة، فإنه قريب مجيب.
يقول ابن رجب: إن الله يحب أن يسأله عباده جميع حوائجهم.
كان السلف يسألون الله كل حوائجهم حتى ملح عجينتهم وعلف
الدابة والشاة.
فأحسنوا استغلال هذا اليوم العظيم، فإنما هو ساعات
معدودة، تجردوا لمولاكم بنفوس صادقة نقية، واستغفروا الرحمن في يوم الرحمة مما مضى
وكان، فإنّ الله تعالى يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي لكم فيا فوز المستغفرين
استغفروا الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، وسلام على نبيه الذي اصطفى
اعلموا أيها الإخوة أنّ من الحرمان والخسران أن يمرّ يوم
عرفة مرور الكرام علينا ونخرج بلا عمل ولا اهتمام.
فليكن يوم عرفة محطة للتزود بالعمل الصالح والإيمان،
محطة للتخلص من شوائب الإثم والعصيان.
كفى أيها المضيعون كفى
كفى أيها المستهترون بالعبادات
العاكفون على الشهوات والسيئات، فإنّ وراءكم غيًّا.
واحذروا أن تحتالوا على ربكم الملك العلام، فليس أسوأ
حالًا ممن استعبده هواه، ومن أسوأ صفقة ممن باع آخرته بدنياه.
إنّ بين أيديكم يوم عرفة
يوم عرفة الذي يعجز البيان عن وصفه.
جاء في حديث طلحة بن عبيد الله: "ما رُؤيَ الشيطانُ
يومًا هو فيه أصغرُ ولا أدحرُ ولا أحقرُ ولا
أغيظُ منه يومَ عرفةَ وما ذاك إلَّا لما يرَى من تنزُّلِ الرحمةِ وتجاوُزِ اللهِ
عن الذنوبِ العظامِ".
تهيئوا منذ اليوم ليوم عرفة، يوم الغنية، فأكثروا من
الذكر والتحميد والتهليل والدعاء، يقول عطاء الخراساني: "من استطاع منكم أن
يخلوَ بربه في يوم عرفة فليفعل". فكلنا نحتاج أن نُري ربنا جلّ في علاه
افتقارًا، ناجوا ربكم أن تكونوا من الفائزين المرحومين المقبولين.
وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، وكادت الشمس أن
تؤوب، فقال:
يا بلال: أنصت
لي الناس، فقام بلال، فقال: أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال معاشر الناس، أتاني جبريل آنفًا، فاقرأني من ربي السلام، وقال: إن الله غفر
لأهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله،
هذا لنا خاص، فقال: هذا لكم، ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة، فقال عمر رضي الله
عنه: كثر خير الله وطاب.
يوم عرفة هو يوم الغنيمة
ليس بيوم الأسواق
ولا بيوم كعك العيد
ولا بيوم الصفق في سوق الغنم وشراء الأضحية
فاملئوه بالتكبير والتحميد ولتكونوا فيه من الصائمين
فأنتم الآن في أيام عمل ولا حساب
وغدًا حساب ولا عمل
أخلصوا عملكم ونيتكم لله، فلا ندري أين نكون عرفة
المقبل.
واعلموا عباد الله أن
الله قد أمركم بأمر عظيم بدأ به بنفسه وثنى بملائكة قدسه، وثلث بكم فقال: ﴿إِنَّ
اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
لبيك اللهم صلّ وسلم
وبارك على نبينا محمد وعلى آل محمد، كما صليت وسلمت وباركت على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين
وأذل الشرك والمشركين
ودمر أعداء الدين
اللهم انصر اخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان يذكر
فيه اسمك الكريم.
اللهم ارفع ما حل بإخواننا في فلسطين، اللهم انصر
المجاهدين، وارحم المستضعفين
اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، ومكن لهم ولا تمكن منهم،
وانصرهم ولا تنصر عليهم
اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيرا فوفقه إلى كل خير
ومن أراد بالإسلام والمسلمين شرًا فخذه أخذ عزيز مقتدر
اللهم عليك باليهود ومن والهم / اللهم عليك باليهود ومن
ناصرهم
اللهم لا ترفع لهم راية / ولا تحقق لهم غاية / واجعلهم
عبرة وآية.
اللهم اجعلنا من الفائزين المرحومين في يوم عرفة.
اللهم ملك البلاد أره الحق حقًا وارزقه إتباعه / وأره
الباطل باطلًا وارزقه اجتنابه
وهيئ له البطانة الصالحة، إن نسي ذكروه، وإن ذكر أعانوه.
وأنت يا أخي أقم الصلاة.
تعليقات
إرسال تعليق