بسم الله الرحمن
الرحيم
(فضل السنة)
إن الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونستهديه،
ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ
له، ومن يضللْ فلا هاديَ لهُ،
يا ربِّ حمداً ليسَ غَيْرُكَ يُحْمَدُ ** يا من لَهُ كُلُّ الخَلائِقِ تَصْمُدُ
أبوابُ غيرِكَ ربنا قد أوُصدت ** ورأيتُ بابَكَ واسعاً لا يُوصَدُ
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن
محمدًا عبدُه ورسولُ، وصفيه وخليله بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد
في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أما بعد:
إنَّ مَنْ تَدَبَّرَ كتابَ اللهِ عزَّ وَجَل، وَقَلَّبَ
صَفَحاتِ التّأريخ، لَيَقِفُ على أخبارِ طغاةٍ مجرمين، اقتنعوا بعقيدةٍ فاسدةٍ
خاطئةٍ.
فإذا مَا مَلكوا سُلْطَةً عَلى النّاسِ تَحَوّلوا إلى مُجرمينَ
مُفسدين، يَسْفِكونَ الدّماء، ويُرمّلونَ النّساء، وَيُيَتّمون الأطفال، لا يَرْعَوْنَ
حُرْمَةً، ولا يَرَوْنَ لأحدٍ حقًّا، ولا تَعْرِفُ الرّحمةُ إلى قلوبِهِم سبيلًا.
يَروْنَ أنَّ النّاسَ ما خُلقوا إلّا ليكونوا عبيدًا
لأهوائهم، وأنّهُم يَمُنُّونَ عليهم بإذلالهم واستعبادهم استبقاءً لحياتِهم،
وفي الأرضِ مِنْ هؤلاءِ كثيرٌ، وأكثَرُهُم خُبثًا، وأشدُّهُم فَتكًا، وأعظَمُهُم جُرمًا
اليوم: زعماءُ الصّهاينةِ ومَنْ عَلى شاكِلَتِهِمُ، الّذين سَحَقوا أهلَ غَزّةَ في
فلسطين، وأبادوهُم بعدَ تَعذيبِهِم.
وأمّةُ الإسلامِ تكتفي بدورِ المُشاهدِ على الصعيدينِ:
الرسميِّ والشعبيّ، إلا أنَّ الأمرَ تَجاوَزَ حَدَّ التَّخاذُلِ لِيَتَحَوَّلَ إِلى
حالَةٍ مِنَ الهوانِ والصَّغارِ وانعدامِ الوَزْن، وَهُوَ مَا يُنْذِرُ بنتائجَ
وخيمةٍ على الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ في العقودِ المقبلة، فهم يتذبذبون بين
التحالُفِ والخَوْفِ والموالاةِ لأعداءِ الله.
واللهُ عزَّ وَجَلَّ يُخاطِبُنا في أَكثرِ مِنْ مَوْضِعٍ
بخطابِ الأمةِ الواحدة، الأمةِ الْمُتكاتفة، الأمةِ التي يَشُدُّ بعضُها بَعضا،
فقالَ جلَّ وَعَلا: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" "إِنَّ
هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً".
فالمؤمنونَ كجسدٍ واحدٍ، ولكنَّ الأمّةَ ضَيَّعَتْ أمرَ
الله، فَوَكَّلَها اللهُ إلى نفسها، فَذَلّت وَهَانت، لأنّها وَالت أعداءَ الله،
وأعرَضت عنْ مَنْهَجِ ربِّهِا وَسُنَّةِ نَبيها صلى الله عليه وسلم "يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ - وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ
مِنْهُمْ".
والمؤمنُ مأمورٌ بِعَدَمِ موالاتِهم، ومأمورٌ بالصّبرِ
على ذلكَ كُلِّهِ، ولهذا أمرَ اللهُ عبادَهُ المؤمنينَ بالمصابرة، فقال: "اصْبِرُوا
وَصَابِرُوا".
أيْ غالبوا أعداءَ اللهِ في الصّبر على شدائدِ الحرب،
ولا تكونوا أقلَّ مِنْهُم صَبرًا وثباتًا، ففي الصّبرِ مُجاهَدَةٌ للنّفس،
ومغالبةٌ لأعدائها، فلمْ تَكُنِ الأمةُ في تاريخِ حُروبِها ومعارِكِها تُقاتِلُ بكَثْرَةِ
عَدَدٍ ولا عُدّة، وإنما كانَتْ تُقاتِلُ بسلاحِ الإيمان، فقد قال اللهُ فيما يَحكيهِ
عنِ المجاهدينَ، الّذين تمّ لهمُ النّصرُ فيما مَضى لنتأسّى بهم ولنسيرَ على طَريقِهم:
"قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ
قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
الصَّابِرِينَ" ثمَّ يقول: "قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا
صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"
فكانت النتيجة "فَهَزَمُوهُمْ
بِإِذْنِ اللَّهِ".
وسُنّةُ اللهِ عزَّ وَجَلَّ في القتالِ أنْ يُداوِلَ بينَ
الفريقين، ولكنَّ العاقِبَةَ للمتوكّلينَ على الله، الصّابرينَ على القِتال وشدائِدِه،
وما يَتَطَلَّبُهُ مِنْ بَذْلِ النّفسِ والمال.
وجعلَ الإسلامُ نُصرةَ المسلمينَ بَعْضُهُم لبعضٍ واجبًا
شرعيًّا "وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ
النَّصْرُ".
فالمسلمونَ لا يَخْذُلُ بَعْضُهُم بعضًا، لقولِ النبي
صلى الله عليه وسلم: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا
يَخْذُلُهُ".
فالمسلمُ الحقُّ يَهْتَمُّ لِمُصابِ إخوانه، وينطَلِقُ
مِنْ هذا الهمِّ الّذي يَحْمِلُهُ في قلبه، لينْصُرَهُم بشتّى الوسائلِ والطُّرُق فإذا
قُمْنا بِنُصْرَةِ إخوانِنا بالتأثُّرِ بِحالِهِم، ومناصَرَتِهِم بالمالِ،
والإعلامِ، والدّعاء، ونحوِ ذلك، عندَها نسألُ اللهَ لَهُمُ النّصرَ العاجل، وأَنْ
يَغْفِرَ لنا تَقْصيرَنا فيما لا نَقْدِرُ عليهِ تِجاهَهُم.
وإنَّ أعداءَ الإسلامِ يعملونَ للكيدِ لَهُ، وَيَتَرَبّصونَ
بالمسلمينَ الدّوائر، ويَعْتَدونَ على أَوْطانِهِم، وإنَّ المِحنَ الّتي يعيشُها
المسلمونَ عامّةً، وأهلُ غزّةَ خاصّةً، لَتحتاجُ منَّا أنْ نَرْجِعَ إلى دِينِنا،
ونَأْخُذَ أنْفُسَنا بِتَعالِيمِه، واثقين بما وعدَ اللهُ به عبادَهُ المؤمنين،
عالِمين أنّه مِنْ رحمةِ اللهِ بعبادِهِ أنَّهُ سَيُطْفِئُ نارَ الحروبِ الّتي يَفْتَعِلونَها،
وَيَرُدُّ كَيْدَهُمْ، وَكَيْدَ حُلَفائِهم في نُحورِهِم، مَدْحورينَ خاسرينَ بإذنِ
الله، ولكنْ على الأمةِ أنْ تَعْلَمَ -في الوقتِ ذاتِه- أنَّ اليهودَ والنَّصارى
وأنَّ أعداءَ الإسلامِ لا تَرُدُّهُم عَنْ غَيِّهِمْ وَإِفْسادِهِم إلّا القوّة،
أمَّا أنْ تَبْقَى الأمةُ خانِعَةً مُلْتَهِيَةً بالفِسْقِ والفُجورِ والمحافِلِ
والْمَراقِص، غِناءٌ وَطَرَبْ، وَمَلاعِبُ وأَنْدِيَة!! وإلغاءٌ للجهادِ مِنَ
المناهج، وَسَجْنٌ للعلماءِ وَدُعاةِ الإصلاح، فأيُّ نَصْرٍ حينَها؟ يُؤمنونَ بِبَعْضِ
الْكِتَابِ وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.
مَعارِكُ طاحِنة على سفاسف الأمور، وعلى أمورٍ ما زادَتِ
الأُمَّةَ إلا فُرْقَةً وَشتاتا، أمّا الْجَبَهَاتِ وميادينِ القِتال والشهداءِ
والجوعِ والقتلِ والدمارِ والأَشْلاءِ والجرحى، فهذا غَيْرُ مَعْنِيٍّ بهِ إلّا الشُّرفاءُ
والأحرار، الذينَ عَرَفوا معنى العِزَّةِ وَرفضوا الخنوعَ والذُّل، وقالوا كلمةَ
الحقِّ في سبيلِ نُصْرَةِ دينِهِم وَإِخْوانِهِم.
ولا قُوَّةَ للمسلمينَ إلّا بالله، وَلَا نَصْرَ لَهُمْ
إلّا بنصرِ دِينِه، وإعلاءِ كَلِمَتِهِ، وَتَحْكيمِ شَريعَتِه "يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ
أَقْدَامَكُمْ".
وإنَّ مِنْ أَعْظَمِ المصائِب، وأجلِّ الدواهي، أنْ يُصابَ
المرءُ في دينِهِ، وَيُبتلى مِنْ جِهَّةِ إِيمانِه، وَقَدْ قالَ بعضُ السلف:
"يا عجبًا للناسِ يبكونَ عَلى مَنْ ماتَ جَسَدُهُ، وَلا يَبْكُونَ عَلى مَنْ
ماتَ قَلْبُهُ وَهُوَ أشد!".
وإنَّ مِنْ عَلاماتِ مَرَضِ الْقَلْبِ اعتيادُ المعصيةِ،
وإلفُ مُشاهدتِها، والتعايشُ مَعَ وجودِها دونَ إنكارٍ بالقلبِ أو باليدِ أو
باللسان.
وإنَّ بُرودَ المشاعِرِ تِجاهَ الفظائعِ والْمُنْكَراتِ
- يُعطي دَلالةً عَلى غِيابِ الإيمانِ في القلب، وهذهِ أمُّ المصائب، قال النبيُّ
-صلى الله عليه وسلم- مبيناً حالَ أهلِ الإيمانِ مَعَ أصحابِ الْكُفْرِ والنِّفاقِ
والإجرامِ: "فمَن جاهَدَهُمْ بيَدِهِ فَهو مُؤْمِنٌ، ومَن جاهَدَهُمْ
بلِسانِهِ فَهو مُؤْمِنٌ، ومَن جاهَدَهُمْ بقَلْبِهِ فَهو مُؤْمِنٌ، وليسَ وراءَ
ذلكَ مِنَ الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ".
فَمَنْ يَرى المجرمينَ يُدمِّرونَ البُلدان، وَيَسْفِكونَ
الدِّماءَ، ثُمَّ لا يَرْجُفُ لَهُ قلبٌ، وَلا تَتَحَرَّكُ مِنْهُ شَعرةٌ، وَلا تَنْزِلُ
مِنْهُ دَمعةٌ، فَلْيُراجِعْ إيمانَه، وَلْيَتَفَقَّدْ قلبَه، أَلَّا يَكُونَ واقِعاً
في مُصيبَةِ الدّينِ وَهُوَ لا يَعْلَم.
عندَما حَصَلَتْ حَادِثَةُ بِئْرِ مَعُونَة، وَقُتِلَ
سبعونَ مِنَ القُرّاءِ مِنْ خِيرَةِ أَصْحابِ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-،
وَصَفَ أَنَسٌ -رضي الله عنه- حالَ رسولنا -صلى الله عليه وسلم- بِقولِهِ: "مَا
رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ
منه".
تلكَ هِيَ الْمَشاعِرُ الطَّبيعيةُ التي تُخالِطُ المسلمَ
حينَ يَسْمَعُ بِمآسي إِخْوَتِهِ في الدين، إنَّها ذاتُ المشاعرِ الإيمانيةِ التي
فاضتْ مِنْ فُقراءِ الصحابةِ الذين قَصُرَتْ بِهِمُ النفقةُ، فلم يستطيعوا اللحاقَ
بِرَكْبِ الجهادِ مَعَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فَخَلَّدَ اللهُ مشاعرَهُمُ
الصادِقَةَ في قوله -سبحانه-: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ
لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا
وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ).
ما زالَ إخوانُنا في غزةَ يعيشونَ حَرْباً إجراميةً،
اجتمعَ فيها القتلُ والإبادةُ، والنزوحُ والتهجيرُ، والحصارُ والتجويعُ ومما لا
يخفى عليكم، وَمَعَ طولِ أَمَدِ الحرب، اعتادَ كثيرٌ مِنَ الناسِ مشاهدَ الدمار،
وأَلِفُوا أخبارَ القتلى والجرحى، وَخَفَّ الشعورُ بمآسي إخوتنا، وإننا بحاجَةٍ
ماسَّةٍ إلى تَجديدِ مشاعرِنا، وإعادةِ استثارةِ أحاسيسِنا، فهذا هو أضعفُ الإيمان.
ونحن نقول: نسألُ اللهَ أنْ يَكْتُبَنَا مِمَّنْ حَبَسَهُمُ
العذر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما تُنصَرُ هذه الأمةُ
بضُعفائِها؛ بدعوتِهم، وصلاتِهم، وإخلاصِهم"، إلى واجبِ الإغاثةِ والنُّصرةِ
بالمالِ، والحثِّ على النصرة، والتذكيرِ برابطةِ الأخوةِ الإسلامية، لقول النبي
-صلى الله عليه وسلم-: "جاهِدوا المُشركينَ بأَموالِكُم وأَنفُسِكُم
وأَلسِنَتِكُم".
إنَّ مأساتَنا كبيرةٌ، تحتاجُ منَّا أنْ نتكاتفَ، وأنْ يُقَدِّمَ
كلٌ منا وُسعَه وجهدَه، وأن لا يحتقرَ الدعواتِ التي يَرْفَعُهَا في جُنْحِ
الظلامِ.
وإنَّ الجهادَ في سبيلِ اللهِ فَريضَةٌ على المسلمين، جِهادُ
غزوٍ في حالِ قوةِ المسلمين، وجهادُ دَفْعٍ في حالِ ضَعْفِ المسلمين، وتتأكدُ هذه
الفريضةُ في حالِ جهادِ الدَّفْعِ عندما يَغزو الكفارُ أرضَ المسلمين، ويُفسدون في
أرضِ الإسلامِ بنشرِ الكُفْرِ والظلم والاضطهاد والمعاصي.
وإنَّ ما أصابَ المسلمينَ اليومَ مِنَ الذُّلِّ والهوانِ
هُوَ بسببِ تركِهِمُ الجهاد، قال ربنا جل وعلا: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى
الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا
يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا
تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
وحين تركَ المسلمونَ الجهادَ تسلَّطَ عليهِمُ الكفارُ
والمنافقون، يَقْتُلونَهُم، وَيَسْجُنونَهم، ويسومونهم سوء العذاب، ويُذلونَهُم، ولا
يعتبرونَ قيمةً لأيِّ مسلمٍ رئيسًا كانَ أو مرؤوسا، وَيَنْهَبونَ خيراتِهم،
ويُفسدونَ دُنياهم، فالجهادُ فَرَضَهُ اللهُ العزيزُ الحكيمُ على هذه الأُمَّة؛
لأنَّ فيه دفعَ شرورٍ عظيمةٍ، وتحقيقَ مصالحَ كثيرةٍ، قال ربنا جلَّ وَعلا:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فيا فوز المستغفرين
استغفروا الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، وسلام على نبيه الذي اصطفى
أما بعد:
مِمَّا وَصَلَنا مِنْ سِيَرِ الصَّحابَةِ الكرام رُضْوانُ
اللهِ عليهم - أنَّ معركةَ اليرموكِ جاءَتْ في آخرِ خِلافَةِ أبي بَكْرٍ الصديق بَعْدَ
فَتْحِ العراقِ ومعركَةِ أجْنادين، وكانَ أبو بَكْرٍ رضي الله عنهُ قَدْ أَرْسَلَ
خالدَ بنَ الوليدِ رضي الله عنه إلى العراق.
لَمَّا رأى الرومُ المسلمين، بدأوا يتوسعونَ بِدَوْلَتِهِم
وَدَخلوا العراقَ وأرادوا الشام. جَنَّدَوا جُنْدَهُم، حتى بَلَغوا ما يُقارِبُ مِئَتينِ
وخمسينَ ألفَ مقاتلٍ مُجَهَزينَ بالسيوفِ والرماحِ والخيولِ والأسلحة. والمسلمونَ
حينها لم يَبْلُغُوا ثلاثينَ ألفًا.
يعني بِحِسْبَةٍ بَسيطَةٍ سَيُقاتِلُ الْمُسْلِمُ ثَمانيةً
أو سَبعةً مِنَ الروم.
ولكنْ لَمْ يَتَرَدَّدوا لإيمانهم أنَّ اللهَ وَعَدَهُم
وَسَيُنْجِزُ وَعْدَه.
لَمَّا أَرْسَلَ أبو بكرٍ جيشَ المسلمينَ إلى الشامِ وَبَلَغَ
أطرافِ نهرِ اليرموك، وَهُوَ نَهْرٌ بينَ حُدودِ سوريا وَفِلسطين، لَمَّا بَلَغَهُمْ
عَدَدُ جيشِ الرومِ دَبَّ الخوف في قلوبهم.
وكانَ عَلى رأسِ الجيشِ أبو عبيدةَ عامرُ بنُ الجراح، مَنْ
جاهَدَ مَعَ رسولِ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وسلم، وَعَمْرو بنُ العاص وجماعَةٌ مِنْ
خِيارِ الصَّحابة.
أَرْسَلَ أبو بَكْرٍ إلى خَالِدٍ أنْ يَتْرُكَ جَيْشَ
المسلمينَ في العراقِ وأنْ يَلْحَقَ بالمسلمينَ في الشام.
كانَ الأمرُ مِنَ الصديقِ أَنْ يَتَرَأَسَ خالدٌ الجيش،
وأنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ ذَلكَ أبو عبيدَةَ وَعَمْرو بنُ العاص.
لَمَّا جاءَ خالِدٌ بِرِسالَةِ أَبي بَكر، الصحابةُ ما
كانوا يُفَكِرونَ أَنا في الأَمامِ وَأَنْتَ في الخلف، وأنتَ أَسْلَمْتَ البارحة،
وأنْتَ قَتَلْتَ المسلمينَ في أُحُد. وإنَّما كانوا يَحْمِلونَ همًّا واحِدًا وَهُوَ
نُصْرَةُ دينِ الله، وَخِدْمَةُ القضية، وَهِيَ الإسلام.
وَانظروا إلى حالِنا اليوم، وإلى حالِ مِلَلِ الكُفْر، نَعيشُ
في شتاتٍ وَتيه، لا قائِدَ وَلا مُمَثِّلَ لَنا، بينما لا يَنْظُرُ أعدائُنا إلى مَنِ
الرئيسُ وَمَنِ المرؤوسُ وَمَنِ الوزير، الْمُهِمُّ أنْ تَبْقى القضيةُ مَخْدومة،
فَلَمَّا تَخَلَّيْنا عَنِ القضية، سَلَّطَ اللهُ علينا ذُلًا وَهَوانًا وَأقوامًا
لا يَرْقُبونَ فينا إلًّا ولا ذِمَّة.
جاءَ خالدٌ وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ دونَ الصحابَةِ مِنْ
أَمْثالِ أبي عُبيدَةَ وَعَمْرِو بنِ العاص، حينها مَا تَكَلَّمَ أبو عُبيدة، رَجَعَ
مِنْ قِيادَةِ الْجُنْدِ إلى مُجاهِدٍ يَحْمِلُ سَيْفَهُ بينَ الْجُنْد، وَتَقَدَّمَ
خالد، في الضَّرْبَةِ الأولى لِخالد قَتَلَ مِنْهُم ستةَ آلافِ روميّ.
تَروي كُتُبُ التاريخِ أنَّ مجموعَ قَتلاهُم في أَقَلِّ
تَقدير تَجاوَزَ السبعينَ ألفا، في حين استُشْهَدَ مِنَ المسلمينَ ثلاثةُ آلاف، وَقِيلَ
أربعةُ آلاف.
فتحوا بلادَ الشام، وكانَتْ اليرموك هِيَ البَوَّابَةُ
إلى المسجدِ الأَقصى، فاليرموكُ قَسَمَتْ دولَةَ الرومِ العُظْمى. والشاهِدُ بالأمْرِ
أنَّ الأمةَ لا تحتاجُ إلى العَدَدِ والعُدَّة، وإنَّما تحتاجُ إلى: "إن
تنصروا الله ينصركم".
وفي بدرٍ لَمَّا دَعا النبيُّ صلى اللهُ عليه وَسَلَّمَ
وَأَخَذَ بالأسباب، وأبو بكرٍ واقِفٌ يترقب، والْمَعْرَكَةُ تَطْحَن، والدماءُ
تسيل، والسيوفُ تَضْرِب، والأصواتُ تصيح. خَرَجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلمَ مِنْ
خَيْمَتِهِ وَهُوَ يَقول: "أبشرْ يا أبا بَكر – ها هُوَ جبريل – إنّي أراهُ
نازلًا آخذًا بِعَنانِ فَرَسِه.
أَشركَ اللهُ تَعالى جبريلَ في معركةِ بدرٍ عَمَلًا بقولِهِ
تعالى: "إنْ تنصروا الله ينصركم".
إنْ قالَ قائِلٌ هذا رسولُ الله، قُلْنَا هذهِ اليرموك -
ثلاثونَ ألفًا قاتلوا مئتينِ وخمسينَ ألفًا، وأوجعوا بهم إيجاعًا وأسرًا وقتلًا
وضربا.
نسألُ اللهَ تعالى أنْ يَنْصُرَ المجاهدينَ في كل مكانٍ
يُذكَرُ فيهِ اسمُهُ الكريم، وأنْ يَنْصُرَهُم في غَزَّةَ عاجِلًا غيرَ آجل، اللهمَّ
لا اعتراضَ على حِكْمَتِك وإنَّما هُوَ استعجالٌ لِنَصْرِك.
هذا واعلموا عباد الله أن الله قد أمركم بأمر عظيم بدأ
به بنفسه وثنى بملائكة قدسه، وثلث بكم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
لبيك اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آل محمد،
كما صليت وسلمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الصحابة والتابعين
وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين
اللهم انصر الإسلام والمسلمين
وأذل الشرك والمشركين
ودمر أعداء الدين
اللهم ارفع ما حل بإخواننا في فلسطين، اللهم انصر
المجاهدين، وارحم المستضعفين
اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، ومكن لهم ولا تمكن منهم،
وانصرهم ولا تنصر عليهم
اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيرا فوفقه إلى كل خير
ومن أراد بالإسلام والمسلمين شرًا فخذه أخذ عزيز مقتدر
اللهم عليك باليهود ومن والهم / اللهم عليك باليهود ومن
ناصرهم
اللهم لا ترفع لهم راية / ولا تحقق لهم غاية / واجعلهم
عبرة وآية.
اللهم ملك البلاد أره الحق حقًا وارزقه إتباعه / وأره
الباطل باطلًا وارزقه اجتنابه
وهيئ له البطانة الصالحة، إن نسي ذكروه، وإن ذكر أعانوه.
وأنت يا أخي أقم الصلاة.
تعليقات
إرسال تعليق